التاريخ والاقتصاد والمجتمع، وتحت عنوان " الحياكة والخياطة واللباس بإفريقية التونسية في العصر الوسيط"، يكشف أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية فوزي محفوظ عن وجه من وجوه الحضارة الخفية يتجلى في الأقمشة التي عبرت الأسواق والأيدي التي أتقنت صناعتها والمعارف الحرفية التي انتقلت من جيل إلى آخر.فتصبح صناعة النسيج مدخلا لقراءة تاريخ المجتمع التونسي في تفاصيله العميقة وخصوصياته البعيدة.
في طبعة أنيقة، سيكون الكتاب متوفرا بجناح دار "نيرفانا" بالمعرض الوطني للكتاب في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي، وقريبا في المكتبات. كما ألَّف فوزي محفوظ « أساطير قرطاجنة » سنة 2015 و« عمارة الخلفاء » سنة 2013 .
التاريخ الذي نسجته الأقمشة
يتجاوز النسيج كونه مجرد مادة تُصنع منها الملابس أو حرفة هامشية في تاريخ المجتمعات ليمثل مرآة لعلاقة الإنسان بالطبيعة والعمل والجمال، وتطور المهارات وتقسيم العمل واتساع المبادلات التجارية. وفي تاريخ إفريقية الممتد من القرن التاسع الميلادي إلى نهاية القرن السادس عشر، تتخذ هذه الحرفة أبعادا تتجاوز وظيفتها المعيشية لتكشف عن مجتمع منتج، وعن مدن وقُرى أسهمت في صناعة الثروة وتبادل الخبرات وربط المجال التونسي بفضاءات العالم الإسلامي والمتوسطي.
تكمن أهمية الكتاب في اختياره موضوعا طريفا ظلّ مقارنة بتاريخ الدول والتحولات السياسية والعسكرية، أقل حضورا في الكتابة التاريخية رغم ما يتيحه من إمكانات لفهم الحياة الاقتصادية والاجتماعية فالتاريخ لا يُكتب فقط بما تتركه الممالك من وثائق أو بما تشيّده الحضارات من معالم، إنما أيضا بما ينتجه الناس بأيديهم وما يبتكرونه من أدوات وما يراكمونه من خبرات وما يطوّرونه من أساليب للعمل والإنتاج.
إن استعادة هذه التفاصيل تعني إعادة الاعتبار إلى الإنسان الذي صنع التاريخ من موقع العمل اليومي، بعيدا عن الأضواء التي تحظى بها الشخصيات السياسية والعسكرية. فالحرفي الذي أمسك بالخيط والإبرة، والنسّاج الذي حوّل المادة الأولية إلى قماش، والتاجر الذي نقل المنسوجات بين الأسواق، جميعهم أسهموا في تشكيل الحياة الاقتصادية والحضارية حتى وإن غابت أسماؤهم عن السرديات الكبرى.
من شتات الأخبار إلى القراءة التاريخية
لا يمكن فهم تاريخ النسيج في تونس بمعزل عن موقعها الجغرافي الذي جعلها على امتداد قرون نقطة التقاء بين ضفاف المتوسط ، وبين المغرب والمشرق. فقد أتاح هذا الموقع الحيوي فرصا للتبادل التجاري وانتقال السلع والمعارف، كما وضع الصناعات المحلية ضمن فضاء اقتصادي تتنافس فيه المدن على جودة الإنتاج وتنوّع المنتجات والقدرة على تلبية حاجات الأسواق.
تتجلى القيمة العلمية لكتاب " الحياكة والخياطة واللباس بإفريقية التونسية في العصر الوسيط" في اعتماده على مدوّنة واسعة من الأخبار والشهادات المتناثرة في مصادر متنوعة، تشمل الفتاوى الفقهية والمصنفات التاريخية وكتب التراجم وغيرها.
يقول فوزي محفوظ في تقديم الكتاب:" لم نكتفِ بترديد ما ورد في الدراسات السابقة، بل سعينا إلى تقديم قراءة خاصة تقوم على التحليل النقدي للمصادر المكتوبة، والاستعانة بما تيسّر من شواهد أثرية، على ندرتها. ونأمل أن يُسهم هذا العمل في تجديد النظر إلى تاريخ الصناعات النسيجية في إفريقية، وأن يفتح آفاقًا جديدة للبحث، ويوفّر للباحثين الشبان منطلقات علمية لمزيد من الدرس والاستقصاء..."